السيد كمال الحيدري
72
مراتب السير والسلوك إلى الله
الهجرة والسفر إليه وحده لا السفر إلى الأحجار في مكّة المكرمة ، وإن كانت الأخيرة مظهراً للتوحيد أيضاً ، لكنّها ليست هي المقصودة أوّلًا وبالذات ، وإنّما المقصود أوّلًا وبالذات في الطواف هو الطواف حول معاني التوحيد الحقيقية « 1 » . فالهجرة لابدّ أن تكون باتجاه الله سبحانه وتعالى ، وحقيقة الطواف لابدّ أن تكون حوله . ومنها : قوله تعالى : إنَّا للهِ وَإنَّا إلَيْهِ رَاجِعُونَ « 2 » . ولعلّ هذا النصّ القرآني الشريف من أروع النصوص التي تحاكي ما نحن فيه وتختصر لنا بكلّ عمق وإيجاز تاريخ الإنسان بشقّيه وقوسيه ، أعني : قوس النزول وقوس الصعود . فالإنسان بدأ من الله تعالى إنَّا للهِ وسينتهي إليه من حيث الغاية والمآل وَإنَّا إلَيْهِ رَاجِعُونَ . وما دام الابتداء منه والأوبة إليه ، فهو سبحانه الأوّل وهو الآخر ، ولكن بالنسبة إلى الإنسان ونسبته إلى الله تعالى ، وإلّا فإنّ الله سبحانه لا أوّل لأوّليّته ولا آخر لآخريّته . فالله سبحانه لا أوّل له ولا آخر ، وإنّما يرتبط الأمر بحركة الإنسان نفسه الذي يبتدئ من الله سبحانه وينتهي إليه « 3 » . وهذا الفهم أو الطرح هو خلاصة مما يُمكن استفادته من قراءة أبي حامد الغزالي لمعنى الأوّلية والآخرية ، وقد سقناها لتقريب
--> ( 1 ) انظر : التربية الروحية ، السيد كمال الحيدري : 215 - 216 - الناشر دار فراقد ، الطبعة السادسة ، 1424 ه - ، قم . ( 2 ) البقرة : 156 . ( 3 ) انظر : التوحيد ، محاضرات السيد كمال الحيدري ، مصدر سابق : ج 1 ص 79 .